محمد جمال الدين القاسمي

95

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

هذا وثمة روايات أخر في سبب نزولها . منها ما روى أبو داود « 1 » وابن أبي حاتم عن داود بن الحصين . قال : كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع . وكانت يتيمة في حجر أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه فقرأت : ( والذين عاقدت أيمانكم ) . فقالت : لا تقرأ هكذا ولكن : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ إنما أنزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن رضي اللّه عنهما حين أبى الإسلام . فحلف أبو بكر لا يورثه . فلما أسلم أمره اللّه تعالى أن يورثه نصيبه . ومنها ما روى ابن جرير عن الزهريّ عن ابن المسيب قال : نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم يورثونهم . فأنزل اللّه فيهم . فجعل لهم نصيبا في الوصية وردّ الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة . وأبى اللّه أن يكون للمدّعين ميراثا ممن ادعاهم وتبناهم . ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية . واعلم أن هذه الوجوه السلفية المروية في نزول الآية ، كلها مما تصدق عليها الآية وتشملها وينطبق حكمها عليها : ولا تنافي بينها . لما أسلفناه في مقدمة التفسير . فراجعها ولا تغفل عنها . هذا ولأبي عليّ الجبائيّ تأويل آخر في الآية . قال : تقدير الآية : ولكن شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي ، ورثة ، فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ . أي فآتوا الموالي والورثة نصيبهم . فقوله : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ . معطوف على قوله : الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ . والمعنى : إن ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به . وسمى اللّه تعالى الوارث مولى . والمعنى : لا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى المولى والوارث . وقال أبو مسلم الأصفهانيّ : المراد ب الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ الزوج والزوجة . والنكاح يسمى عقدا . قال تعالى : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ [ البقرة : 235 ] . فذكر تعالى الوالدين والأقربين وذكر معهم الزوج والزوجة . ونظيره آية المواريث ، في أنه لما بيّن ميراث الولد والوالدين ، ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة . أقول : هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية في التفسير . ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك . ذهابا إلى أن ما لم يتواتر في معنى الآية ، من خبر أو إجماع ، فلا حجة في المرويّ منه آحادا ، مرفوعا أو موقوفا ، وإن

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الفرائض ، 16 - باب نسخ ميراث العقد بميراث الرحم ، حديث 2923 .